التنمية الأخلاقية في منهاج تفكر | مركز التفكر

التنمية الأخلاقية في منهاج تفكر

يعد تطوير السلوك الأخلاقي من أنبل المهام التي يهدف لها المربون على مر العصور، وكذلك من أعقدها، ذلك أن عوامل عدة تؤثر في سلوك الإنسان، من خلال خبرات يمر بها، تتشكل على صورة تجارب مختزنة في الارتباطات بين الخلايا العصبية في الدماغ، وكلما تكررت هذه التجارب والخبرات كلما تعمقت.

فعندما يقوم الطفل بسلوك سلبي مثل الأذى – على سبيل المثال، فإنه يقوم بذلك لوجود تشابكات متعددة في داخل الشبكة الدماغية أدت إلى هذا السلوك السلبي المتعلم من قبل، ربما من الوالد أو الوالدة أو الأخ أو الزميل أو وسائل الإعلام أو ربما جميع ما ذكر وأكثر.

ولتعديل هذا السلوك السلبي فإننا نحتاج إلى إعادة التشابك والارتباط بين الخلايا العصبية لتكوين بنية معرفية جديدة تعدل السلوك، وتجعله إيجابياً، إضافة إلى التحفيز والتقدير من قبل المربين، لتشجيع الطفل على إعادة السلوك الإيجابي حتى يتكرر ويتعمق في الدماغ، فيتغير مفهوم الذات السلبي إلى مفهوم إيجابي بأنني أنا الطفل المؤذي أصبحت اليوم إنساناً رائعاً.

كل ما سبق والمزيد منه نسميه تعديل السلوك في ضوء أبحاث الدماغ، ووفق النظرية المعرفية المستندة إلى علم الأعصاب، وهو تماماً ما نرتكز إليه في منهاج تفكر، حيث يتطلب ذلك الوقت والمنهجية العلمية المتسلسلة والمتراكمة لغرس القيم وبناء مفهوم ذات إيجابي، وهذا التغيير لن يكون “بكبسة زر”، بل إنه يحتاج الوقت ليتجذر في الدماغ ويصبح قادراً مع الوقت على إعادة تشكيل البينة المعرفية وتعديل السلوك.

تؤثر عدة عوامل في تعديل السلوك إضافة إلى البناء التراكمي للقيم الأخلاقية، حيث يؤثر تقدير ذات الطفل على سلوكه بشكل واضح، فإن الطفل عندما يكره نفسه فإنه يكره غيره، وسيؤدي ذلك الكره إلى إساءة السلوك حتماً، لذا قمنا ببناء تقدير الذات في المنهاج كما أوضحنا في “التنمية النفسية”.

كما تعد التنمية الروحية قاعدة لتحقيق التنمية الأخلاقية من خلال آلية التفكر التي سبق توضيحها في “التنمية الروحية في منهاج التفكر”، حيث تربط آلية التفكر في المنهاج بين التأمل والسلوك الأخلاقي، ليبدأ الطفل بالتأمل في القطة -على سبيل المثال، لتصل به تأملاته إلى القيام بالسلوك الأخلاقي الذي تستحقه هذه القطة، شكراً لها وتقديراً لوجودها.

إن السلوك الإيجابي النابع من التفكير الإيجابي المنبثق عن الشكر والتقدير يشكل عقلية إيجابية للطفل تجعله يقوم بالعمل بحب، مما يولد الدافعية الذاتية من دون فرض الأوامر على الطفل.

كذلك تؤثر الدوافع في تحسين السلوك بشكل جذري، فإن الطفل مثلنا نحن الكبار يحتاج إلى فهم الأسباب التي تجعله يجب أن يعدل من سلوكه والتي نسأل الطفل عنها في منهاج تفكر “لماذا يجب علينا أن نفعل ذلك؟” لندفع الطفل لبذل الجهد برغبة وقناعة ليكون هذا الإنسان الرائع.

لذا قمنا ببناء الإيمان من خلال التفكر لبناء دوافع السلوك الأخلاقي، حيث تقوم فلسفتنا التربوية في دولنا العربية والإسلامية على ارتباط غايات وجودنا بسلوكنا الأخلاقي، فعلي سبيل المثال نحن نبر والدينا لأن رضا الرب في رضاهما، وسخطه في سخطهما، فعلى الطفل أن يرتبط بخالقه بالحب والحرص، ليعدل من سلوكه وينال رضاه.

إن بناء الإيمان وربط الطفل بربه بالحب والحرص يجعله يراقب سلوكه ويعدل من خطئه ذاتياً فيعتذر ويتوب، مما يرفع من وعيه الذاتي، التي تعد النقطة الأعمق في تعديل السلوك الإنساني.

ولرفع الوعي الذاتي أيضاً قمنا في منهاج التفكر بدءً من المستوى الثالث “جمال الاختلاف” بتدريب الطفل على مراقبة تحدثه مع ذاته، وإدراك العلاقة بين السلوك وحديث الذات، كذلك يدرب المستوى الرابع “أفكاري ومشاعري” الطفل على اكتشاف مشاعره الذاتية، وادراك العلاقة بين التحدث مع الذات وتوليد المشاعر ليصل الطالب بشكل ممنهج إلى القدرة على علاج مشاعره السلبية مثل الغل والغيرة والخوف والإحباط في هذا المستوى وفي المستويات التي تلي، لبناء الثقة بالنفس، وتحسين السلوك، وهو ما يدخل تحت مسمى نظرية الذكاء العاطفي.

ومن مؤثرات السلوك التي اعتنينا بها في منهاج تفكر، تنمية مهارات التفكير، باعتبار أن السلوك قرار، وكلما نمت القدرة على اتخاذ القرار والأخذ بعين الاعتبار وجهات النظر الأخرى، فإن السلوك سيتحسن.

وهذه المؤثرات الأربعة في توليد السلوك الأخلاقي، تشكل معاً “النموذج المتكامل في توليد السلوك الأخلاقي” الذي قامت الباحثة مها شحاده بتصميمه وابتكاره من خلال رحلة البحث التي دامت اثني عشر عاماً حتى صدور المستوى الأول من المنهاج، والصورة التالية توضح النموذج بمؤثراته الأربعة التي قمنا بتنميتها في منهاج تفكر بشكل متناغم متسلسل ومتراكم عبر مستويات المنهاج.  

 

التنمية الأخلاقية

النموذج المتكامل في توليد السلوك الأخلاقي لمها شحاده

© جميع الحقوق محفوظة – مركز التفكر للتدريب والتطوير التربوي 2016

شاهد: رصد أثر منهاج التفكر على الجانب السلوكي الأخلاقي عند الأطفال للعام الدراسي 2017-2018